صديق الحسيني القنوجي البخاري

190

أبجد العلوم

محسوسة له ، فقيل له ذوق . وإذا تبين لك ذلك علمت منه أن الأعاجم الداخلين في اللسان العربي الطارئين عليه المضطرين إلى النطق به لمخالطة أهله ، كالفرس والروم والترك بالمشرق ، وكالبربر بالمغرب ، فإنه لا يحصل لهم هذا الذوق لقصور حظهم في هذه الملكة التي قررنا أمرها . لأن قصاراهم بعد طائفة من العمر وسبق ملكة أخرى إلى اللسان ، وهي لغاتهم ، أن يعتنوا بما يتداوله أهل مصر بينهم في المحاورة من مفرد ومركب لما يضطرون إليه من ذلك . وهذه الملكة قد ذهبت لأهل الأمصار وبعدوا عنها كما تقدم ، وإنما لهم في ذلك ملكة أخرى وليست هي ملكة اللسان المطلوبة . ومن عرف تلك الملكة من القوانين المسطرة في الكتب فليس من تحصيل الملكة في شيء ، إنما حصّل أحكامها كما عرفت . وإنما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتكرار لكلام العرب . فإن عرض لك ما تسمعه من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وأمثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم ، فاعلم أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط ، أما المربى والنشأة فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلمها منهم . فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا وراء لها . وكأنهم في أول نشأتهم من العرب الذين نشئوا في أجيالهم حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها ، فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا بأعجام في اللغة والكلام ، لأنهم أدركوا الملة في عنفوانها واللغة في شبابها ، ولم تذهب آثار الملكة منهم ولا من أهل الأمصار . ثم عكفوا على الممارسة والمدارسة لكلام العرب حتى استولوا على غايته . واليوم الواحد من العجم إذا خالط أهل اللسان العربي بالأمصار ، فأول ما يجد تلك الملكة المقصودة من اللسان العربي ممتحية الآثار ، ويجد ملكتهم الخاصة بهم ملكة أخرى مخالفة لملكة اللسان العربي . ثم إذا فرضنا أنه أقبل على الممارسة لكلام العرب وأشعارهم بالمدارسة والحفظ يستفيد تحصيلها فقلّ أن يحصل له ؛ لما قدمناه من أن الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة . وإن فرضنا عجميا في النسب سلم من مخالطة اللسان العجمي بالكلية ، وذهب إلى تعلم هذه الملكة بالمدارسة فربما يحصل له ذلك . لكنه من الندور بحيث لا يخفى عليك بما تقرر . وربما يدعي كثير ممن ينظر في هذه القوانين البيانية حصول هذا الذوق له بها ، وهو غلط أو مغالطة . وإنما حصلت له الملكة أن حصلت في تلك القوانين البيانية وليست من ملكة العبارة في شيء . وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » « 1 » .

--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 653 ) .